أهلا بك في مركز التحرير للدراسات والبحوث

صناعة الورق في الصين

علي مدي قرون من الزمان, استعمل الإنسان أنواعاً عدة من المواد ليكتب عليها, ما أتاح للإنسان تسجيل المعارف والإطلاع عليها لتتوراثها الأجيال وتتطور العلوم .


فكان لابد من وجود مادة يسجل عيلها تلك الكتابات, فاستعملت الحجارة في مصر واستعمل الطين في بلاد مابين النهريين واللوحات المطلية بالشمع في اليونان, واستعملت الصين دروع السلاحف وعظام الحيوانات, حتي اخترع المصري القديم ورق البردي وخط عليه وسجل أحداثه التاريخية وحياته اليومية وثقافته وعقيدته الدينية, فقد كتب المصريين علي البردي منذ حوالي 3000 ق.م.


ونجد أن أصل كلمة “paper” في الإنجيلزية والفرنسية والألمانية والأسبانية ما هي إلا إشتقاق من المسمي اليوناني القديم للبردي المصري (Papyrus).


صٌنع البردي المصري من شرائح مقتطعة من ساق نبات البردي الذي ينمو في أحراش الدلتا وعلي ضفتي نهر النيل, في البداية تجمع سيقان البردي ويٌزال قشرها (َصنع منه المصري القديم الحبال والأثاث والحلي والسفن), تبسط مجموعة السيقان بعد معالجة المواد والسوائل بالأغصان بنقعها في الماء لبضعة أيام وتكون شبيهه بألياف القصب الداخلية, من ثم يتم إزالتها من الماء وتوضع بجانب بعضها البعض في إتجاة أفقي ورأسي متشابك ثم تضغط وتعرض للشمس حتي تؤلف صحيفة واحدة . ويرجع تاريخ أول ورقة بردي تم إكتشافها الي عصر الدولة الوسطي لتاريخ مصر القديمة (2025-1650 ق.م), وبقي البردي مستعملاً لفترة طويلة حتي ظهور صناعة الورق في الصين.


والجدير بالذكر أن من أعاد الحياة لزراعة وصناعة ورق البردي في مصر في العصر الحديث كان سفير مصر الأول إلى دولة الصين الشعبية عام 1956 الدكتور حسن رجب, والذي درس طرق صناعة الورق في الصين وصناعة البردي في مصر القديمة وقام بزراعة نبات البردي مرة آخري وأسس معهد البردي و القرية الفرعونية, وللدكتور حسن الفضل الأكبر في إعادة إحياء صناعة نبات البردي مرة ثانية بعد أن أهمل لحوالي 1500 سنة.

تاريخ تطور صناعة الورق في الصين
مرت الكتابة الصينية بمراحل عدة أولها كان النقش علي عظام السلاحف والحيونات وذلك منذ عصر أسرة شيا(2070-1600ق.م) حتي عصر أسرة تشو (1100-265 ق.م), وفي حقبة الممالك المتحاربة وأسرة تشن الملكية(464-221 ق.م) تم إبتكار مواد أخري جديدة للكتابة مثل الكتابة علي أعواد الخيزران و شرانق دودة القز.
بعد أن وُحدت الصين في عصر أسرة خان الملكية عام 200ق.م تقريباً , إزدادت الحركة الثقافية والعليمة وانتشرت المؤلفات القديمة وظهرت الحاجة لمادة أخري أسهل وأخف وأرخص للكتابة, فقام الموظف بالقصر الملكي لأسر خان الملكية تساي لون(دُون إسمه بسبب إختراعه هذا في كتاب العظماء المائة الأكثر تأثيراً في العالم) بإختراع الورق في عام 105 م, مستخدماً عناصر رئيسية للتصنيع هي لحاء الأشجار وشباك الصيد والأقمشة البالية والكتان ومن ثم يصنع الورق بسحق كل هذه المكونات لتفقد لونها حتي تتحول الي عجينة طرية فتضاف إليها كمية من الماء حتي تصبح شبيهة بسائل الصابون, وبعد أن يصفي الخليط تؤخذ الألياف المتماسكة المتبقية بعناية لتنشر فوق لوح مسطح لتجففه حرارة الشمس, وبعد التجفيف يمكن صقل الورق بواسطة النشا ويجفف من جديد, وهكذا نحصل علي ورق قابل للإستخدام. حيث تعد صناعة الورق بذلك أحد الإكتشافات الأربع الكبري للصين, وأحدث ذلك الإكتشاف الكبير حركة تدوين ثقافية كبيرة حيث تم كتابة مؤلفات صينية أدبية لكونفشيوس ومؤلف فنون الحرب وغيرها من المؤلفات الكلاسيكية التي تمثل روح الثقافة الصينية حتي الآن.
انتشرت تقنية صناعة الورق من مقاطعة خنان شرق الصين إلى مناطق أخرى في مقاطعة شانشي، ثم إلى منطقة وسط السهول الوسطي ومنها الي مقاطعة ستشوان بوسط الصين.
في نهاية عهد أسرة هان الشرقية تحديداً القرن الثاني الميلادي ، تطورت صناعة الورق في جميع أنحاء الصين وأصبح المادة الأساسية للكتابة بينما تتضائل دور ورق دودة القز الي أن اندحر وذلك في الفترة من القرن الثالث إلى القرن الرابع الميلادي، وأصبح الورق هو المادة الكتابية الوحيدة في الصين، الأمر الذي عزز انتشار وتطوير العلوم والثقافة في الصين.
استمرت تكنولوجيا صناعة الورق في الصين في التطور من القرن الثالث إلى القرن السادس الميلادي، فقد دخلت مواد خام جديدة مثل لحاء التوت والقش وغيرها من المواد في صناعة الورق. من حيث المعدات، فإن تقنية صناعة الورق في عهد أسرة هان الغربية تطورت بشكل واسع وظهرت المزيد من القوالب الورقية، ومع وضع ستارة من الخيزران على إطار القالب يمكن صنع آلاف الأوراق بشكل متكرر وسريع، وأدي ذلك الي تحسين الكفاءة الإنتاجية. فيما يتعلق بتكنولوجيا المعالجة والتصنيع، فقد تم تطوير معدات التصنيع واستخدام سوائل تُسرع من خلط المواد الأولية للورق, كذلك تطوير معدات التجفيف الأمر الذي أدي لتحسين جودة الورق، وظهرت الأوراق المعالجة مثل الورق الملون والورق المطلي.

إنتشار صناعة الورق حول العالم
في القرن السادس الميلادي, انتشرت تكنولوجيا صناعة الورق إلى جيران الصين مثل كوريا وفيتنام وكانت تلك بداية انتشار تكنولوجيا صناعة الورق .
ومما يذكر أن الصين كانت تحتكر صناعة الورق في العالم, ولكن مع ظهور طريق الحرير والنشاط التجاري العالمي بين الصين ودول اسيا الوسطي والإمبراطورية العباسية الإسلامية وشرق اوربا, ودخلت صناعة الورق الي بغداد أولاً بعد فتح الدولة العباسية سمرقند عام 751م , ومن بغداد إنتقلت الي الجزيرة العربية ثم الي مصر وسوريا واليمن ومنها الي جزيرة صقلية وإيطاليا وبلاد المغرب, وفي القرن الثالث عشر كانت الأندلس بوابة دخول صناعة الورق لباقي أوربا .
في غرب الصين عثر علي بعض من الأوراق القديمة في غرف حجرية داخل كهوف دونخوانغ و أماكن مختلفة منها إقليم شينجيانغ, ولُوحظ أن شكل الورق كل الورق كان متشابك, أبيض اللون وأملس السطح .
خلال عصر الأسرات الملكية سوي وتانغ وحقبة الأسر الخمس والممالك العشر في الفترة من القرن السادس إلى القرن العاشر الميلادي، تم إبتكار نوع جديد من الورق بالإضافة إلى ورق القنب وورق التوت وورق خشب الصندل وورق وورق قش الأرز,الا وهو الورق المصنوع من مسحوق الخيزران, وتم ابتكار هذا النوع من الورق في المناطق الجنوبية بشكل أساسي, نظراً لتوفر موارد الخيزران في الجنوب, حيث المناخ الموسمي الحار والرطب والأمطار الموسمية الوفيرة وكل هذه العوامل تعتبر بيئة مثالية لنمو الخيزران، لذلك تطور ورق الخيزران بسرعة هناك تطوراً كبيراً خلال سلالات تانغ وسونغ الملكيتين, انتشرت صناعة الورق في جميع أنحاء الصين, وبسبب اختراع الطباعة ظهرت صناعة طباعة الكتب، والتي عززت بدروها تطوير صناعة الورق، وتم تحسين إنتاج الورق وجودته، كما انخفض السعر أيضًا، وأصبحت المنتجات الورقية المختلفة شائعة في الحياة اليومية المدنية. ومن بين الأوراق الثمينة “الورق الأصفر” لأسرة تانغ (618-907 م)، و”ورق تشنغ شينتانغ” لحقبة الأسر الخمس والممالك العشر، والورق المليء بالحبيبات وأوراق فنية مختلفة أخري, حيث يوجد بالفعل العديد من اللوحات والأعمال الفنية لأسرة تانغ المسجلة على هذا الورق، والتي تعكس تطور وإزدهار تكنولوجيا صناعة الورق.

في الفترة من القرن العاشر إلى القرن الثامن عشر الميلادي عصر السلالات الملكية سونغ ويوان ومينغ وتشينغ، كان ورق خشب التوت وورق الخيزران شائعًا بشكل خاص، وكان استهلاكهم كبيرًا أيضًا.
في عهد أسرة سونغ(960-1279م) كانت الصين أول من أصدر الأوراق النقدية في العالم, وكانت تسمى هذه العملة الورقية “جياوتسي” ، واستمر إصدارها بعد عهد أسرة يوان ومينغ, وفي وقت لاحق أصدرت البلدان حول العالم أيضًا عملات ورقية. وازدهر أيضاً ورق الحوائط و الأوراق الملونة علي شكل زهور واستخدم كزينة داخلية للمنازل وانتشر خلال عهد أسرة مينغ وتشينغ في داخل وخارج الصين, وكانت تتمتع الطبقة الإقطاعية بجميع أنواع الورق الفاخر مثل الورق الملون, والورق المذهب، والمضلع، والورق المطلي بالفضة و المطلي بالورنيش وورق التقويم وما إلى ذلك، فتكلفته كانت عالية جدًا والجودة أعلى من الورق العادي.
فقد تطورت تقنية صناعة الورق عبر العصور في الصين حتي صارت متطورة للغاية وصُنعت بأنواع وأشكال مختلفة وصنعت أيضاً من أنواع كثيرة من الأخشاب بجودة عالية ومميزة, بل وأصبح الورق سلعة لإنتشار ثقافة الصين وحضارتها من آلاف السنين.

المراجع:
أهم الاختراعات والاكتشافات في تاريخ الإنسانية
بواسطة أسامة زيد وهبة الصيادي، دار الساقي
https://books.google.com.eg/books?id=qTxpDgAAQBAJ&pg=PT53&dq=%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE+%D9%88%D8%B1%D9%82+%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%AF%D9%8A&hl=ar&sa=X&ved=2ahUKEwjlxbOb7vLrAhVhyohttps://books.google.com.eg/books?id=qTxpDgAAQBAJ&pg=PT53&dq=%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE+%D9%88%D8%B1%D9%82+%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%AF%D9%8A&hl=ar&sa=X&ved=2ahUKEwjlxbOb7vLrAhVhyo

تواصل معنا

العنوان

164 ميدان التحرير شارع التحرير باب اللوق الدور السابع

رقم الهاتف

0223934250-01032678345

tahrer.tcsr@gmail.com

مواقع التواصل

شركاء النجاح